ابن قيم الجوزية

240

الروح

بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 1 » ولما كانت هذه الآية ونظيرها في سورة مدنية ، خاطب بالتذكير بهذا الميثاق فيها أهل الكتاب ، فإنه ميثاق أخذه عليهم بالإيمان به وبرسله ، ولما كانت هذه آية الأعراف في سورة مكية ، ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك ، وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة ، وينقطع به العذر ، وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك ، فلا بد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به ، وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأن فاطرهم ربهم ، وأنهم مخلوقون مربوبون ، ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم ، ويعرفونهم حقه عليهم ، وأمره ونهيه ووعده ووعيده . ونظم الآية إنما يدل على هذا من وجوه متعددة : - أحدها : أنه قال وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ « 2 » ولم يقل آدم ، وبنو آدم غير آدم . - الثاني : أنه قال مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل ظهر ، وهذا بدل بعض من كل أو بدل اشتمال ، وهو أحسن . - الثالث : أنه قال ذُرِّيَّتَهُمْ ولم يقل ذريته . - الرابع : أنه قال وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ « 3 » أي جعلهم شاهدين على أنفسهم ، فلا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به ، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار لا يذكر شهادة قبلها . - الخامس : أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ « 4 » والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 5 » . - السادس : تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 63 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 173 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية 173 . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية 172 . ( 5 ) سورة النساء ، الآية 165 .